من يملكها حقاً؟ السعي نحو الشفافية للكشف عن الثروات المسروقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا


من يملكها حقاً؟ السعي نحو الشفافية للكشف عن الثروات المسروقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يكتسب التقدم في مجال شفافية المستفيد الحقيقي زخماً متزايداً، إلا أن تحليلاً لثمانية بلدان يُظهر أن الثغرات لا تزال تسمح بتدفق الأموال غير الشرعية دون رادع في جميع أنحاء المنطقة.

يستغل الفاسدون في جميع أنحاء العالم إخفاء الهوية لإخفاء الثروات المسروقة وجمع المزيد من المكاسب غير المشروعة. وبإخفاء هوياتهم الحقيقية عبر الحدود وعبر متاهات من الشركات والصناديق الائتمانية المجهولة، يحتكرون الأصول ويسلبون موارد حيوية من العامة. .

لكن الأنظمة التي تسمح بذلك بدأت تتغير، مع تزايد عدد الدول – بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – التي تُعزز اللوائح المتعلقة بشفافية المستفيدين الحقيقين. تهدف هذه الإصلاحات إلى تسليط الضوء على هذه الشخصيات الغامضة، والهياكل الغامضة التي تُمكّنها.

ولفهم كيفية تبلور هذه الإصلاحات عملياً بشكل أفضل، أجرت منظمة الشفافية الدولية تقييماً لثماني دول في المنطقة بدأت بتطبيق شفافية المستفيدين الحقيقيين. ووجدنا أن تقدماً كبيراً قد أُحرز في السنوات الأخيرة، ولكن لا تزال هناك حاجة إلى خطوات أكثر تحديداً لوقف تدفق الأموال “القذرة” وتحقيق فوائد حقيقية لشعوب المنطقة.

يتفاوت هذا الوصول بشكل كبير بين الدول التي خضعت للتقييم. الجزائر والمغرب وتونس هي الدول الوحيدة التي تحدد بوضوح الجهات التي يحق لها الوصول إلى سجلاتهما، مما يضمن حصولها على المعلومات عند الحاجة – وقد أنشأت هذه البلدان الثلاثة سجلات مركزية، مما يعني جمع جميع البيانات في مكان واحد. وتذهب الجزائر إلى أبعد من ذلك بمنحها حق الوصول العام وتحديد إطار زمني للاستجابة السريعة للسلطات. في دول أخرى، يكون الوضع أقل وضوحاً: مصر وليبيا والأردن تسمح “للجهات المختصة” بالوصول، ولكنها لا تحددها، مما قد يهدد قدرتها على الحصول على المعلومات بسرعة. أما في لبنان، فإن النظام اللامركزي يعني الاحتفاظ بالمعلومات في السجلات التجارية الإقليمية، مما يجعل الوصول أكثر تعقيداَ.

من حيث جودة المعلومات، تتصدر الجزائر والمغرب مجدداً المشهدَ على الورق. إذ تُلزمان سلطات التسجيل نفسها بالتحقق من البيانات، بينما يقتصر الأردن على فحص الحالات المشتبه بها، بينما لا تفرض عدة دول أخرى إجراءات تحقق محددة. جميع الدول تقريباً تفرض تحديث السجلات فوراً عند حدوث أي تغييرات، ولكن بدون التحقق من المعلومات، تُصبح فعالية هذه الأحكام محدودة عملياً.

الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالبنى القانونية، مثل الصناديق الائتمانية، محدودٌ للغاية. عدد قليل من الدول يعترف بها أصلاً، ولكن نظراً لأنها ترتيبات خاصة ويمكن أن تأتي من خارج المنطقة، فإنها لا تزال موجودة في هذه الولايات القضائية، وقد تُشكّل ثغرةً للفساد. المغرب وتونس فقط هما من أدرجا هذه البنى تحديداً في سجلاتهما. مع ذلك، تسمح جميع الدول، باستثناء الجزائر، للسلطات بطلب المعلومات من البنوك والمؤسسات المالية. هذا يُتيح في النهاية بعض الوصول، ولكنه قد يؤدي مع ذلك إلى تأخيرات أو معلومات غير دقيقة.

تسهيل التعاون

يقوم الفاسدون بتوزيع ممتلكاتهم عمداً عبر أنواع مختلفة من الأصول، وفي بلدان مختلفة حول العالم، لتجنب الكشف عنهم، مما يجعل من الضروري للغاية أن تتمكن السلطات من العمل معاً على الصعيدين المحلي والدولي.

من بين البلدان التي تم تقييمها، أظهر التعاون المحلي تقدماً متفاوتاً. تسمح الجزائر وليبيا وفلسطين بالتبادل الحر للمعلومات بين السلطات الوطنية، في حين تفرض بلدان أخرى عوائق قانونية أو إجرائية. فيما يتعلق بآليات تبادل البيانات، لا يزال معظمها يعتمد على طلبات الحصول على معلومات المستفيدين الحقيقيين على أساس كل حالة على حدة بدلاً من الوصول المباشر إلى السجلات، مما قد يؤخر التعاون.

عندما يتعلق الأمر بالتعاون عبر الحدود، فالأخير يواجه عوائق أكبر. لا تفرض الجزائر والأردن أي قيود قانونية في هذا الإطار، ولكن الأمر أكثر صعوبة في البلدان الأخرى. بعض البلدان مثل المغرب ومصر تشترط التوافق مع القوانين الوطنية أو اتفاقيات محددة أو موافقة قضائية، مما قد يعيق بشدة الوصول في الوقت المناسب، وفي بعض الحالات يمنعه تماماً. في نهاية المطاف، يجب على جميع البلدان أن تتجه نحو إنشاء سجلات مركزيّة للمستفيدين الحقيقيين يمكن للسلطات المعنية الوصول إليها بسهولة على الصعيدين المحلي والدولي.

يهدف المشروع إلى تقديم دعم موجه لإصلاح السياسات، والمشورة الفنية، والتعاون بين الأقران لتعزيز آليات مكافحة الفساد وتشجيع الإبلاغ في الجوار الجنوبي للاتحاد الأوروبي.

ما هو المسار المُقترح للمُضيّ قُدماً؟

أظهرت كل دولة من الدول الثماني التي تم تقييمها التزامها بشفافية المستفيدين الحقيقيين في السنوات الأخيرة. والآن، يتعين عليها تحسين لوائحها التنظيمية لضمان تحقيق الغرض منها بالفعل.

توصي منظمة الشفافية الدولية على وجه التحديد بما يلي:

  • مأسسة التقييمات الدورية للمخاطر: كما هو موضح أعلاه، لا يمكن للدول أن تفهم ما يجري – وما هو مطلوب – إلا إذا أجرت تقييمات شاملة دورية وشاركتها مع السلطات والمهن ذات العلاقة ومع عامة الجمهور.
  • إنشاء سجلات رقمية مركزية للمستفيدين الحقيقيين: نصف البلدان التي شملتها المراجعة قد بدأت بالفعل في هذا الاتجاه، ولكن يجب على كل بلد أن يطور سجله لضمان توفير معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب، ليس فقط للسلطات، ولكن لجميع الأطراف المعنية بتتبع الأموال غير الشرعية.
  • فرض التحقق من قبل سلطات التسجيل: المعلومات القديمة أو المغلوطة ليست فقط غير فعالة، بل يمكن أن تهدد المساءلة من خلال إبعاد المحققين عن المسار الصحيح. من الضروري أن تقوم سلطات التسجيل نفسها بمراجعة البيانات للتأكد من دقتها.
  • فرض تسجيل الصناديق الائتمانية المحلية والأجنبية التي تعمل داخل حدودها: على الرغم من أن الصناديق الائتمانية لا توجد بنفس الطريقة الموجودة في البلدان الأخرى، إلا أنها لا تزال توفر فرصة لإخفاء الثروة ما لم يتم إدراج مالكيها المستفيدين في السجلات.
  • إزالة العقبات التي تعوق الوصول إلى معلومات المستفيدين الحقيقيين واستخدامها: لكي تكون معلومات المستفيدين الحقيقيين مهمة، يجب أن تكون السلطات قادرة على الوصول إلى البيانات واستخدامها بكفاءة.

هناك حاجة ملحة لاعتماد لوائح المستفيدين الحقيقيين وتنفيذها بفعالية، ليس فقط في هذه البلدان الثمانية، بل في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. مع واحد من أدنى متوسطات مؤشر مدركات الفساد على المستوى الإقليمي، لا يزال الفساد في القطاع العام يعرض حياة الناس وسبل عيشهم للخطر في جميع أنحاء المنطقة. إن المخططات التي تتيحها هياكل الملكية غير الشفافة لا تؤدي إلا إلى تفاقم هذه الأزمات، لا سيما عندما يكون أصحاب السلطة من بين الذين ينهبون الموارد العامة.

وفي ظل هذه الخلفية، تبدو الجهود المبذولة حتى الآن واعدة، ولكن هناك حاجة إلى تقدم مستمر لسد الثغرات المتبقية وضمان عدم تمكن أي شخص من الاختباء وراء شركات مجهولة الهوية أو صناديق ائتمانية أو أدوات مماثلة.